الآلوسي

66

تفسير الآلوسي

أو جلب منفعة والتساؤل المثبت لأهل النار تساؤل وراء ذلك وقد بينه سبحانه بقوله عز من قائل : * ( قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) * ( الصافات : 28 ) الآية ، وقد بين جل وعلا تساؤل أهل الجنة بقوله سبحانه : * ( قال قائل منهم إني كان لي قرين ) * الآية ، وهو أيضاً نوع آخر من التساؤل ليس فيه أكثر من الاستئناس دون دفع مضرة عمن يتكلم معه أو جلب منفعة له . وقيل المنفي التساؤل بالأنساب فكأنه قيل لا أنساب بينهم ولا يسأل بعضهم بعضاً بها ، والمراد أنها لا تنفع في نفسها وعندهم والآية في شأن الكفرة وتساؤلهم المثبت في آية أخرى ليس تساؤلاً بالأنساب وهو ظاهر فلا إشكال . وروى جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن وجه الجمع بين النفي هنا وازثبات في قوله سبحانه : * ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) * فقال : إن نفي التساؤل في النفخة الأولى حين لا يبقى على وجه الأرض شيء وإثباته في النفخة الثانية ، وعلى هذا فالمراد عنده بقوله تعالى : * ( فإذا نفخ في الصور ) * فإذا نفخ النفخة الأولى وهذه إحدى روايتين عنه رضي الله تعالى عنه ، والرواية الثانية حمله على النفخة الثانية ، وحينئذٍ يختار في وجه الجمع أحد الأوجه التي أشرنا إليها . وقرأ ابن مسعود * ( ولا يساءلون ) * بتشديد السين . * ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * . * ( فَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلحُونَ ) * الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل مهروب . * ( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَائِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) * . * ( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازينُهُ ) * أي موازين أعماله الحسنة أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها وهي أعماله السيئة كذا قيل ؛ وهو مبني على اختلافهم في وزن أعمال الكفرة فمن قال به قال بالأول ومن لم يقل به قال بالثاني ، وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة الأعراف فتذكر . * ( فَأُوْلَئكَ الَّذينَ خَسرُوا أَنْفُسَهُمْ ) * ضيعوها بتضييع زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها ، واسم الإشارة في الموضعين عبارة عن الموصول ، وجمعه باعتبار معناه كما أن إفراد الضميرين في الصلتين باعتبار لفظه . * ( في جُهَنَّمَ خَالدُونَ ) * خبر ثان لأولئك ، وجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم خالدون في جهنم ، والجملة إما استئنافية جيء بها لبيان خسرانهم أنفسهم ، وإما خبر ثان لأولئك أيضاً ، وجوز أن يكون * ( الذين ) * نعتاً لاسم الإشارة و * ( خالدون ) * هو الخبر ، وقيل : * ( خالدون ) * مع معموله بدل من الصلة ، قال الخفاجي : أي بدل اشتمال لأن خلودهم في جهنم يشتمل على خسرانهم ، وجعل كذلك نظراً لأنه بمعنى يخلدون في جهنم وبذلك يصلح لأن يكون صلة كما يقتضيه الإبدال من الصلة ، وظاهر صنيع الزمخشري يقتضي ترجيح هذا الوجه وليس عندي بالوجه كما لا يخفى وجهه . وتعقب أبو حيان القول بأن * ( في جهنم خالدون ) * بدل فقال : هذا بدل غريب وحقيقته أن يكون البدل ما يتعلق به * ( في جهنم ) * أي استقروا ، وكأنه من بدل الشيء من الشيء وهما لمسمى واحد على سبيل المجاز لأن من خسر نفسه استقر في جهنم ، وأنت تعلم أن الظاهر تعلق * ( في جهنم ) * بخالدون وأن تعليقه بمحذوف وجعل ذلك المحذوف بدلاً وإبقاء * ( خالدون ) * مفلتاً مما لا ينبغي أن يلتفت إليه مع ظهور الوجه الذي لا تكلف فيه [ بم وقوله تعالى : * ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ) * . * ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) * جملة حالية أو مستأنفة ، واللفح مس لهب النار الشيء وهو كما قال الزجاج أشد من النفح تأثيراً ، والمراد تحرق وجوههم النار ، وتخصيص الوجوه